كان البيت كله في صخب .. في ترقب .. الأطفال قبل الكبار ..
هذه تعد الأواني لاستقبال الضيوف ، وهذه ترتب أماكن الاستقبال ، وهؤلاء يخططون لما يفعلون في الغد ، وهاتان تَلُفّان هدايا العيد ..
وأنا تدور في رحايا عقلي بنات وأمهات الأفكار !!!
كم من مرة تمنيت أن يكون العيد هنا ! .. ولكني ابدا لم اتمناه على هذا الحال !
بل الغريب اني لا اريده !! .. لا أعلم ماسر هذا الأمر ؟!
أحاول التركيز في مابين يدي وطرد هذا الهاجس ، ولكني لا استطيع ..
أرفع رأسي لأرى من حولي .. هذا طفل أرى الفرح في عينيه ، لكن تلك ارى في عينيها القلق !
اسأل نفسي اترى مايقلقني هو ذاته يقلقها !!
استغفرت الله وعدت لما بين يدي مع أختي ابقي على هذا ، لنرسل ذاك ، دعي هذا ..
وفجأة !!
يقف على رأسي أبي ليقول مسرعا: ارتدي عبائتك لتذهبي للمستشفى معها الاسعاف في الطريق
رباه مالذي حصل .. مالذي حدث ؟!
للتو تسألني عن ابنائها واحدا واحدا .. للتو فرغت من الاتصال بهم لأُطَمئِن قلبها ..
هم في طريقهم اليها .. ترى ماشعورهم حين يأتون لرؤيتها ولا يجدونها ؟!!
في المستشفى !! هكذا يقال لهم !!
في الطريق .. ارقبه امامي ، عيني لم تحد عنه لحظه ، ترى بأي حال انت الآن ؟!!
آه لو استطع فقط كسر جمود الصمت الذي لازمك منذو تعبك ومعرفة مايدور في عقلك
فقدته ؛ لم اعد اراه ، رباااه استغفر الله .. استغفر الله .. استغفر الله ..
حين وصلنا رأيته مشرعة ابوابه ، نزلت بسرعه وكأني افرغ مافي في باب السيارة المسكين
حاول رجل الأمن الوقوف في طريقنا صرخ اخي بأعلى صوته تبع الاسعاف .. تبع الاسعاف
ولجنا البوابة لا اسمع سوى وقع اقدامي وكأن باب السيارة لم يكن كافيا لتفريغ ما أحس به
اراهم وأرى أفواههم تتحرك فقط .. كنت كالآلي كالمنوم المغناطيسي اسير فقط .. إلا اني على هدى !!
لمحتها بين ايديهم هناك أخبرت أخي الحقني لقسم الأشعه ..
اوقفوني لم يسمحوا لي بالدخول ، جلست أرقبها حتى أغلقوا الباب دوني
كنت أحس ببرد يجتاح لهيفه جسمي كله ، ولم أُتح لعقلي فرصة التفكير من أين يأتي ؟!!
لكن حين أدرت ظهري لمحت ذاك الباب المعلق على يمينه "غرفة الانعاش" مفتوحا على مصراعيه
والغرفة خالية خاوية على عروشها ، والبرد يأتي منها
أحسست بدوار ، جميع ذكرياتي المؤلمة اجتاحتني ودموع عصية حجبت عني الرؤية
أسبوعان من التعب والمُكوث في تلك الغرفة ألم لا أطيق تحمله ولا أقوى الآن على ذكراه !
كيف بك أنتِ يامن تصارعين المرض لسنوات تَحمُّله !!
كأني بهم رأفوا لحالي وأخرجوا جدتي يسيروا بها وأنا احاول مجاراتهم !
أريدها تراني بجانبها ، أعرفها تخاااف كثيرا في صحتها كيف بها الآن في مرضها !!
وضعوا سريرها في محله وعملوا على تثبيت الأجهزة ..
كنت على رأسها اقراء عليها وأبي يحادث الطبيب الذي على مايبدوا لأول مرة يمسك بملفها
أحسست بهم وكأن حديثهم عن ما تتعاطاه من أدوية فتحت حقيبتي واخرجت كيساً وضعت فيه والدتي عينات لأدويتها لحقتني به ووضعته امام الطبيب ، همس أبي جيد أنك أحضرته .
عندما عدت لها أمسكت بيدي !! .. أملت رأسي تجاهها تريدين شيئا اماه ؟!
اجابتني بهز رأسها بلا .. وخطوط وجهها المتعب تبدو اكثر برزوا من ذي قبل ..
يبدو أنها لاتود لي مفارقتها .. عصتني دمعة ابت إلا أن تنزل !!
وأنا التي قد قَطَعت عهدا على نَفْسِها بأن تبقى قوية على الأقل أمامها وأمام البقية .
اكملت قراءة والممرض الذي لم يمنعه جسمه العضلي وسواد بشرته من الرأفة والرفق بها والذي عرفت فيما بعد أنه يدعى "جوشوا" من جنوب افريقيا ..
يغرس في ذراعها النحيل إبرة لتمتص من دمها بعد صراع طويل بحثا عن وريد !
مضت الساعه تلو الساعه وانا انتظر والشيطان يلعب في رأسي
مليوووووون فكرة وفكرة عرضها أمامي
تخيلت أشكال عمومتي حين دخولهم البيت .. تخيلت دمعات عماتي
تخيلت العيد وبأي وجه سيكون .. تخيلت .. وتخيلت .. وتخيلت ..
هززت رأسي لعل الأفكار تتطاير ، ترحل ، تذهب بعيدا ..!
بإذن الله ستصبح على مايرام .. ستخرج ، وتشاركنا العيد
ستوزع الحلوى التي أصرت على إحضارها على الأطفال ، ولن تكتفي بأطفال ابنائها بل ستمتد خيراتها لأطفال الحي ..
وستتكفل هي أيضا بتوزيع عيديات الكبار .. !
نعم قررت بقية البنات وأنا ؛ بجعل هذا العيد وكأنه عيد زماااااان !!
وما بين هذه الفكرة وتلك أتى الطبيب .. الذي على مايبدو انه من جنسية شرق آسيوية
بعد جهد استطعت افهامه بأنها لا تعلم حقيقة مرضها فبالتالي نرجو منه عدم ذكر اسمه امامها
لم يكن يفهم بالضبط ما أريد! ولا أنا كذلك! .. رغم حديثي بلغته معه !!
ناداني وذهب لمكتبه لحقت به وجلست أخبره بتاريخ مرضها وكأنه لايوجد حاسب آلي
بتكة زر يخبره بما وراء تاريخها المرضي وليس تاريخها فقط !!
عدت لها وعاد الشيطان بأفكاره إلي .. إرحل ياهذا يكفيني مافيني !
قبيل الفجر أتى الطبيب أبعدني عنها قليلا وأخبرني :
نتائج التحليل تخبرنا بأنها مصابة بالتهاب في الرئة يستلزم تنويمها من ثلاثة أيام الى إسبوع
التهاب رئة!! .. تنويم ثلاثة أيام!! .. أسبوع!! .. كلمات يتردد صداها في أُذُناي !!
أنظر اليه وأنا لست معه .. أغوص في عميق أفكاري وظنوني
ظننتها كسابقاتها تدخل لستة سبع ساعات يركب عليها مضادات وأغذية عبر الوريد بالإضافة لبعض الحقن بعدها تعود .. نعم تعود !!
حتى وإن كانت متعبه لكنها تعود لبناتها وأبنائها .. لمن أتوا لرؤيتها وقضاء العيد معها
بالتأكيد هم الآن في انتظارها .. في انتظاري وانتظار اتصالي !
أفقت من عالمي على صوته : أتوجد هنالك مشكلة ما ؟!
بالكاد خرجت من فمي : نعم ؛ غدا يوم عيد وهي تنتظر ابنائها وبناتها لمشاركتهم اياه ماذا لو خرجت الآن ومساء غد أتينا بها هنا .
آلمني بكلماته : وضعها حرج ؛ أخشى إن سمحت بذلك تحدث أمورا لا تُحمد عاقبتها
كلمت القسم لتجهيز غرفة لها .. وسيقمن الممرضات بإعداد اللازم !!
القى قنبلته ورحل .. أشاح بوجهه وأدار ظهره من دون حتى إعطاء اسئلتي فرصة لترتاح !!
اتصلت بأبي وانا أحارب دمعات لا أود لها الخروج .. لم يرد !
اتصلت بأمي استقبلتي بسؤال كان كفيلا لفتح كل الأبواب لمجرى عيني للانسياب
حاولت جاهدة أن أجعل صوتي طبيعيا أخبرتها بما قال الطبيب
واخبرتني بأن استعد للعودة فالعمة أم ابراهيم قادمة برفقة والدي وعمي للمكوث معها
اغلقت اتصالي ووضعت رأسي بين يدي مستسلمة لدموعي ، فما ينتظرني هناك أكبر وأكثر !!
واليوم !!
أعود من جامعتي لأجد سيارة الاسعاف في استقبالي عند باب المنزل !
رباااااه .. ازدادت حالتها وأبي في أرض زايد !!
قفزت كالمجنونة ؛ لا أعلم كيف لملمت عبائتي ..! ولا كيف نزلت ..! بل جيد ان شنطتي على كتفي لم اتركها في السيارة !!
سألت كالملهوفة ابن عمي الطبيب الذي يقف بجوار المسعف وأشار لي بالدخول !!
تبعني وطمنني ببضع كلمات لم تدخل عقلي ، كان بزي المستشفى بالتأكيد والدتي استنجدت به!
ولجت داخل المنزل وعيني تسأل قبل شفتي !
مالذي حصل ؟! .. كيف هي الآن ؟! .. هل عندها احد ؟! .. اريد رؤيتها قبل أن تذهب !
هذوت بها سريعا وذهبت لغرفتها ..
كانت مستلقية على ظهرها وعلامات التعب والعنا كلها بادية على وجهها الأخضر !
نعم أخضر وهذا ما جعل دقات قلبي تزداد .. التعب منذو أيام ملازمها ومنذو يومين كان وجهها أصفرا .. تمنيت لو انه بقي أصفر !!
تخيل معي وجه انسان غالي بالنسبة لك أخضر اللون .. ماشعورك حينها !!
قبلت رأسها وخديها وأمسكت بيديها كيف حالك أماه ؟!
آلمني صوتها الهزيل جدا : الحمدلله .. الحمدلله
خرجت من عندها لاسأل والدتي : مالذي حدث معها بالضبط !!
اخبرتني بما حصل وأَخَذَت في الاستعداد للذهاب معها ..
وهانحن الآن نعيش مابين منزل ومستشفى !
أجسادنا هنا .. وأرواحنا وقلوبنا معها هناك
تظل بيننا بجسدها فقط .. صامته لا تكاد تسمع صوتها سوى في كلمات متقطعه ..
نجتمع حولها .. نحاول اشراكها في حديثنا .. في مجلسنا .. دون جدوى !
نرى آثار الألم على وجهها .. رغم صمتها وعدم افصاحها
واكتفائها بقول : الحمدلله .. لكل من يسألها .
نعم الحمدلله
الذي لا يحمد على مكروه سواه
نعم الحمد لله
الذي لا يحمد على نعمة سواه
له الحمد حتى يرضى
وله الحمد اذا رضي
وله الحمد بعد الرضى
اللهم ياواهب النعم وكاشف الغمم ومزيل الضر
اشفها انت الشافي لا شفاء إلا شفاءك شفاء لا يغادر سقما
بظنكم ماذا كان دافعي لسكب تلك العبارات على مرآكم
بظنكم ماللذي دعاني لذكرى الألم .. الذي لايوجد اقسى منه سوى استعادته
نعم !! .. لا يوجد أقسى من الألم .. سوى استعادته !!
بذكرياته .. بآلامه .. بكئابته .. وأجواءه
خصوصا إن ظلت هذه الآجواء ملازمة لك في وقتك الراهن
لا أقصد من ذلك شكوى ولا استعطاف أو حتى رحمة
ما أوده دعوة بظهر الغيب تذكرونها بها
كونوا كما تريدون !
الله يرحمها ويسكنها فسيح جناته
ردحذف